أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

378

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

والثالث : أن يكون في محل رفع عطفا على موضع اسم « أن » لأن محله الرفع ذكر ذلك أبو البقاء وفيه نظر من حيث الشناعة اللفظية حيث يقال : « وَالَّذِينَ آمَنُوا » في موضع نصب عطفا على « الَّذِينَ كَفَرُوا » وأتى بجملة الوعيد مؤكدة ب « ان » تنبيها على شدة ذلك وبجملة الوعد خالية منه لتحققها وأنه لا إنكار لذلك وأتى فيها بحرف التنفيس القريب المدة تنبيها على قرب الوعد . و تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ في محل نصب صفة ل « جَنَّاتٍ » وقرأ النخعي « سيدخلهم » وكذلك « ويدخلهم ظلّا » بياء الغيبة ردا على قوله : « إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً » . والجمهور بالنون ردا على قوله « سَوْفَ نُصْلِيهِمْ » و « خالِدِينَ » يجوز فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه حال من الضمير المنصوب في « سَنُدْخِلُهُمْ » . والثاني : أجازه أبو البقاء أن يكون حالا من « جَنَّاتٍ » قال : لأن فيها ضميرا لكل واحد منهما يعني أنه يجوز أن يكون حالا من مفعول « سَنُدْخِلُهُمْ » كما تقدم أو من « جَنَّاتٍ » لأن في الحال ضميرين : أحدهما : المستتر في « خالِدِينَ » العائد على الذين آمنوا . والآخر : المجرور ب « في » العائد على « جَنَّاتٍ » فصح أن يجعل حالا من كل واحد لوجود الرابط وهو الضمير وهذا الذي قاله فيه نظر لا يخفى من وجوه : أحدها : أنه يصير المعنى : أن الجنات خالدات في أنفسها لأن الضمير في فيها عائد عليها فكأنه قيل : جنات خالدات في الجنات أنفسها . والثاني : أن هذا الجمع شرطه العقل ولو أريد ذلك لقيل : خالدات . والثالث : أن يكون صفة ل « جَنَّاتٍ » أيضا قال أبو البقاء على رأي الكوفيين يعني أنه جرت الصفة على غير من هي له في المعنى ولم يبرز الضمير وهذا مذهب الكوفيين وهو أنه إذا جرت على غير من هي له وأمن اللبس لم يجب بروز الضمير كهذه الآية ومذهب البصريين وجوب بروزه مطلقا فكان ينبغي أن يقال على مذهبهم « خالِدِينَ » ولما لم يقل كذلك دل على فساد هذا القول وقد تقدم لك تحقيق ذلك فإن قلت : فلتكن المسألة الأولى كذلك أعني أنه إذا جعلت « خالِدِينَ » حالا من « جَنَّاتٍ » فيكون حالا منها لفظا وهي لغيرها معنى ولم يبرز الضمير على رأي الكوفيين ويصح قول أبي البقاء فالجواب أن هذا لو قيل به لكان جيدا ولكن لا يدفع الرد عن أبي البقاء فإنه خصص مذهب الكوفيين بوجه الصفة دون الحال وقوله : لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مبتدأ وخبر ومحل هذه الجملة : أما النصب أو الرفع فالنصب : أما على الحال من جنات أو من الضمير في « سَنُدْخِلُهُمْ » وأما على كونها صفة ل « جَنَّاتٍ » بعد صفة والرفع على أنه خبر بعد خبر . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 58 إلى 60 ] إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً ( 58 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ( 59 ) أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً ( 60 )